فخر الدين الرازي
206
تفسير الرازي
الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً ، وأبعدهما مفعولاً أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله * ( وأخرى كافرة ) * والثاني : أن مقدمة الآية وهو قوله * ( قد كان لكم آية ) * خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً الثالث : أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال : * ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ) * فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم . واحتج من قال : الراؤن هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم . ثم قال : * ( رأي العين ) * يقال : رأيته رأياً ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول : هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري ، فقوله * ( رأي العين ) * يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفاً للمكان ، كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله : هو مني مناط العنق ومزجر الكلب . ثم قال : * ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) * نصر الله المسلمين على وجهين : نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح . ثم قال : * ( إن في ذلك لعبرة ) * والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ، وعبارة الرؤيا من ذلك ، لأنها تعبير لها ، وقوله * ( لأولي الأبصار ) * أي لأولي العقول ، كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة ، والله أعلم . قوله سبحانه وتعالى * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ